بعث الله محمدا بالقرآن الذي يرشد الناس إلى طريق الخير، ويهديهم إلى وجوه المصلحة، ويعرفهم الحقائق، ويبين لهم الأحكام، ويرفع عن قلوبهم غشاء الجهالة، فهو هدى ورشاد، وعلم ونور، غير أن الناس لم يكونوا في الانتفاع به بدرجة واحدة، بل اختلفوا وتباينوا لاختلاف نفوسهم وتفاوت استعدادهم.

عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) متفق عليه.

معاني الكلمات:
أجادب: جمع أجدب، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء، سماها أجادب لأنها لصلابتها لا تنبت.
قيعان: الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت.        الغيث: المطر.               نقيَّة: طيِّبة.

معنى الحديث :
ضرب النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  مثلاً لما جاء به من الدين بالغيث العام الَّذِي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذلك كَانَ حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يُحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين تُحيي القلب الميت، ثُمَّ شبه السامعين له بالأرض المختلفة الَّتِي ينزل عليها الغيث.
فمنهم: العالم العامل المعلم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها.
ومنهم: الجامع للعلم استغرق لزمانه فيه غير أنه لَم يعمل بنوافله، أو لَم يتفقه فيما جمع، لكنه أَدَّاه لغيره، فهو بمنزلة الأرض الَّتِي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم : (نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها ) رواه ابن ماجه.
ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره، فهو بمنزلة الأرض الملساء الَّتِي لا تقبل الماء وتفسده عَلى غيرها.

فوائد الحديث:  تضمن هذا الحديث عدة فوائد مهمة، من أهمها:
ـ بيان ضرب الأمثال لتوضيح العلم، وتسهيل وصوله إلى أفهام الناس.
ـ فضل العلم والتعليم، وشدة الحث عليهما.
ـ ذم الإعراض عن العلم، وعدم الاشتغال بتحصيله.
ـ بيان انقسام الناس فيما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم.


هذا المثل يدعو كل إنسان أن ينظر في نفسه وحاله من أي أنواع الأرض هو، هل من الأرض التي قبلت الماء وأنبتت العشب والكلأ؟، أو من الأرض الثانية التي أمسكت الماء فنفعت الناس وإن كان دون الأول، أو من الأرض الثالثة التي حرمت نفسها وغيرها والعياذ بالله.

من شأن وحال المسلم الابتعاد عن مواطن التُهم والشُبهات، والتحرز من كل ما يوقعه في تهمة أو شبهة، وذلك لأن مواطن الرِيبة والتهم قد تجر الناس إلى إساءة الظن به، وإطلاق ألسنتهم فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فمَنِ اتّقى الشُبُهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضِه) رواه مسلم، قال ابن رجب: “أي: طلب لهما البراءة مما يشينهما”.

ومن مواقف السيرة النبوية الدالة على أن المسلم عليه أن يبريء نفسه من مواطن الريبة والسؤ، حفظاً لعرضه، وصيانة لقلوب الناس وألسنتهم، ما رواه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها: (أنها جاءتْ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَزورُه، وهو مُعْتَكِفٌ في المسجِد، في العَشْر الأواخرِ مِن رمَضان، فتَحَدَّثَت عنده ساعَة مِن العِشاء، ثم قامتْ تَنْقَلِب (ترجع إلى بيتها)، فقام معها النبي صلى الله عليه وسلم يَقْلِبُها (يردها و يمشي معها)، حتى إذا بلغت بابَ المسجد، الذي عِندَ مَسكَن أُمِّ سَلَمَة زَوْجِ النبي صلى الله عليه وسلم، مَرَّ بهِما رجلان مِنَ الأنْصارِ، فسَلَّما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نَفَذا (أسرعا)، فقال لهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: علَى رِسْلِكُما (مهلكما)، إنَّما هي صفيَّة بنتُ حُيَيٍّ، قالا: سبحان الله يا رسول الله، ـ وكَبُرَ عليهِما (عظُم و شقّ) ما قال ـ، قال صلى الله عليه وسلم: إنَّ الشَّيطان يَجْري مِن ابنِ آدَم مَبلَغ الدَّم، وإنّي خَشيتُ أنْ يَقذِف في قُلوبِكُما).

من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هذين الصحابيين الأنصاريَّيْن، وخشية أن يلقى الشيطان في قلبيهما شيئاً، فيكون ذلك كفرا، أو يشتغلا بدفع هذه الوسوسة، بيّن لهما حقيقة الأمر، وقطع طريق الشك والوسوسوسة من الشيطان عنهما، فأخبرهما أن التي تقف معه هي زوجته صفية رضي الله عنها، قال ابن حجر في فتح الباري: “النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءاً، لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك، لأنهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما، حسماً للمادة، وتعليماً لمن بعدهما، إذا وقع له مثل ذلك، وقد روى الحاكم أن الشافعي كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن هذا الحديث؟ فقال الشافعي: إنما قال لهما ذلك، لأنه خاف عليهما الكفر، إن ظنا به التهمة، فبادر إلى إعلامهما، نصيحة لهما، قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئاً، يهلكان به”.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) قال العيني في عمدة القاري: “قيل هو على ظاهره، وأن الله عز وجل جعل له قوة على ذلك، وقيل هو على الاستعارة لكثرة أعوانه ووسوسته فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دم، وقيل إنه يلقي وسوسته في مسام لطيفة من البدن فتصل الوسوسة إلى القلب”، وقال القرطبي: “حمله بعض العلماء على ظاهره، فقال: إن الله تعالى جعل للشيطان قوة وتمكنا من أن يسري في باطن الإنسان، ومجاري دمه، والأكثر على أن معنى هذا الحديث: الإخبار عن ملازمة الشيطان للإنسان واستيلائه عليه بوسوسته، وإغوائه، وحرصه على إضلاله، وإفساد أحواله. فيجب الحذر منه، والتحرز من حيله، وسد طرق وسوسته وإغوائه وإن بعُدت، وقد بين ذلك في آخر الحديث بقوله: (إني خشيت أن يقذف في قلوبكما..)، وخصوصاً في مثل هذا الذي يفضي بالإنسان إلى الكفر، فإن ظن السوء والشر بالأنبياء كفر”.

وهذا الموقف النبوي فيه من الفوائد الكثير، قال الخطابي: “في هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءَة من الريب”.
وقال ابن حجر: “وفي الحديث من الفوائد: جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره والقيام معه، والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف، وبيان شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم، وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار”.
وقال ابن عثيمين في فوائد وعِبر هذا الموقف النبوي: “حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم في معاملته أهله، ومنها: جواز زيارة المرأة زوجها في الاعتكاف وأن ذلك لا يبطل الاعتكاف..، ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشيع أهله إذا انقلبوا من عنده إذا كان ذلك ليلا أو في وقت يخاف فيه عليهم، ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يزيل أسباب الوساوس من القلوب، فمثلا إذا خشي أن أحدا يظن به شراً فإنه يجب عليه أن يزيل ذلك عنه ويخبره بالواقع حتى لا يحدث في قلبه شيء، ومنها: أنه إذا حدث للإنسان ما يتعجب منه فليقل سبحان الله كما قال ذلك الأنصاريان وأقرهما النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها: شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ودرء الشر عنهم”.

من المعلوم أن نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه أعظم مخلوق وأفضل نبي، وفضله ومقامُه فوق أي شبهة من الشبهات، ومع ذلك بيَّن لصاحبيه أن التي تقف معه هي زوجته صفية رضي الله عنها، قال الماوردي: “هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبعد خلق الله من الرِّيَب وأصونهم من التُّهم… فكيف من تخالجت فيه الشُّكوك، وتقابلت فيه الظَّنون؟ فهل يَعْرى مَن في مواقف الرِّيَب مِن قادح محقَّق، ولائم مُصدَّق؟)”. وقال ابن دقيق العيد: “في الحديث دليلٌ على التحرّز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي، و هذا متأكَّد في حق العلماء و من يُقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظنَّ السوء بهم، وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم”..
ومن ثم فمما ينبغي على المسلم البعد عن مواطن التهم والريب، وأن يقي عِرْضَه من طعنات الألسن فيه، فلا ينبغي أن يُرى حيث تقع في أمره شبهة، أو توجّه له تهمة، ولو كان بريئاً منها وبعيداً عنها، فإذا اضطر لأن يقف موقفاً مشروعاً، وخاف أن يتطرق إليه عند الناس شبهة أو تهمة، فعليه أن يُبادر للتصريح بحقيقة حاله، والتعريف بمشروعية موقفه، إزالة للشبهة، وحفظاً لعرضه، وصيانة لقلوب الناس وألسنتهم، وقد فعل ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لصاحبيه: (على رِسْلِكُمَا إنها صفية)، قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: “قال المهلب: فيه من الفقه تجنب مواضه التهم، وأن الإنسان إذا خشى أن يسبق إليه بظن سوء أن يكشف معنى ذلك الظن، ويبرئ نفسه من نزغات الشيطان الذى يوسوس بالشر فى القلوب، وإنما خشى عليه الصلاة والسلام أن يحدث على الرجل من سوء الظن فتنة، وربما زاغ بها فيأثم أو يرتد، وإن كان النبى عليه السلام منزهًا عند المؤمنين من مواضع التهم، ففى قوله صلى الله عليه وسلم: (إنها صفية) السُنة الحسنة لأمته، أن يتمثلوا فعله ذلك فى البعد عن التهم ومواقف الرِيَب”.

إذا كان لكل أمّة رسول تقتدي به في جميع شؤونها، ولكل فرد شخصية تكون مثله الأعلى وقدوته في هذه الحياة، فنحن المسلمين نملك أفضل وأعظم قدوة، إنه سيِّد ولد آدم، وأفضل الأنبياء المرسلين، وهو القدوة العملية والأُسوة الحسنة للمؤمنين، قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }(الأحزاب: 21) .

قال ابن حزمٍ: ” مَنْ أراد خيرَ الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتدِ بمحمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وليستعمل أخلاقه، وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به بمَنِّه، آمين ” .
ومن المعلوم أن المناهجَ والنظرياتِ التربويةَ في حاجةٍ دائمةٍ إلى من يُطَبِّقُهَا ويعملُ بها، وبدون ذلك تظلُّ حِبراً على ورق، لا تحقق جدواها، ولذلك كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أمر بشيء عمل به أولا، وإذا نهى عن شيء كان أول المنتهين عنه، قال ابن حجر في كتابه ( الإصابة ) : ” قال الجلندى: لقد دَلَّنِي على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يهجر ( لا يتلفظ بقبيح )، وأنه يفي بالعهد وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي ” .

والسيرة النبوية فيها الكثير من المواقف التي يظهر من خلالها مدى تأثيرُ القُدوة العملية في المدعوين، والتي قد لا تتوافر لمجرد الدعوة النظرية، ومن هذه المواقف مشاركته ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه العمل والحفر في غزوة الأحزاب، وموقفه مع أصحابه في عمرة الحديبية .

في غزوة الأحزاب (الخندق) أعطى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ القدوة العملية في مشاركته لأصحابه التعب والعمل، والآلام والآمال، فقد تولى المسلمون وعلى رأسهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، المهمة الشاقة في حفر الخندق، ورغم طوله الذي بلغ خمسة آلاف ذراع، بعرض تسعة أذرع، وعمق يقرب من عشرة أذرع، فقد تم إنجازه في سرعة كبيرة، وكان لمشاركة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الفعلية، الأثر الكبير في الروح العالية التي سيطرت على المسلمين في موقع العمل، وكان أثناء حفره يردد أبيات عبد الله بن أبي رواحة ـ رضي الله عنه ـ :

                    اللهم لولا أنت ما اهتدينا       ولا تصدقنا ولا صلّينا 
                    فأنزلن سكينة علينا             وثبّت الأقدام إن لاقينا
                    إن الألى قد بغوا علينا          وإن أرادوا فتنة أبينا 

والمسلمون يرددون بعده قائلين :

                    نحن الذين بايعوا محمدا      على الإسلام ما بقينا أبدا

وفي ذلك تعليم للقادة والدعاة والمربين أن يعطوا القدوة بفعلهم مع قولهم، فالرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ أمر بحفر الخندق وشارك أصحابه في الحفر وحمل الحجارة، وجاع كما جاعوا، وقد تأثر الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بذلك تأثرا كبيرا، وعبروا عن ذلك بإنشادهم :

                   لئن قعدنا والنبي يعمل              لذاك منا العمل المُضَلل

عمرة الحدييية :

لما صدَّ المشركون الرسولَ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه عن البيت الحرام، حين أرادوا العمرة عام الحديبية، وبعد إبرام الصلح مع قريش، كان وقع ذلك عظيماً على الصحابة ـ رضوان الله عليهم -، فلما أمرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنحر ما معهم من الهَدْي ليُحِلُّوا من إحرامهم، ترددوا مع شدةِ حرصهم على طاعته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهنا يتجلى الأثرُ العظيم للقدوة العملية، إذ أشارت أمُّ سَلَمَة – رضي الله عنها ـ على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يقوم هو أولاً فينحر ويحلق شعره ـ عمليا ـ، لأن صحابته سيقتدون به عند ذلك لا محالة .
عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم – رضي الله عنهما – في حديث طويل، ذكرا فيه: أنه لما تم الصلح بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومشركي قريش، قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: ( يا أيها الناس انحروا واحلقوا، قال: فما قام أحد، قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد بمثلها، فما قام رجل، فرجع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فدخل على أم سلمة فقال: يا أم سلمة! ما شأن الناس؟، قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلتَ ذلك، فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يكلم أحدا حتى أتى هَدْيَه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون ) رواه أحمد .
وفي الرواية التي ذكرها ابن القيم في كتابه ” زاد المعاد “: ( فخرج ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نَحَرَ بُدْنَهُ، ودعا حالقَه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً ) .
وفي هذا الموقف دلالة ظاهرة على أهمية القدوة العملية، والتفاوت الكبير بين تأثير القول وتأثير الفعل، ففي حين لم يتغلب القولُ على هموم الصحابة وتألُّمِهم مما حدث، فإنهم بادروا إلى التنفيذ اقتداءً بالرسول – صلى الله عليه وسلم – حين تحوَّل أمرُهُ القَولي إلى تطبيقٍ عمليٍّ، حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً، ولهذا يدعو الإسلام إلى دعم القول بالعمل، ومطابقة الأفعال للأقوال، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ }(الصف الآية 2: 3) .

كان خُلُقُهُ القُرآن :

بدراسة السيرة النبوية يتم حسن الاقتداء بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومعرفة شمائله، فإنها ترشد المسلم إلى مكارم الأخلاق، وتعينه على اكتسابها، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو القدوةَ التي ترجمت المنهج الإسلامي وأخلاقه إلى حقيقة وواقع، فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يغرس في أصحابه الأخلاق الطيبة بفعله وسلوكه مع قوله، ولذلك لما سُئِلَت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها – عن خُلُقِهِ – صلى الله عليه وسلم – قالت: ( كان خُلُقُهُ القُرآن ) رواه مسلم .
فجميع ما في القرآن الكريم من أخلاق وآداب وفضائل ومكارم متمثّلة في شخصيته وحياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد تأدب بآدابه، وتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن، كان فيه رضاه، وما ذمه القرآن، كان فيه سخطه، وجاء في رواية البخاري، قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: ( كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه ) .

وقد أحسن شوقي في تعداد بعض أخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ العظيمة، وخِصاله الكريمة، وشمائله المباركة، حين قال:

زَانَتْكَ فِي الخُلُقِ العَظِيمِ شَمَائِلٌ             يُغَرَى بِهِنَّ وَيُولَعُ الكُرُمَاءُ
وَالحُسْنُ مِنْ كَرَمِ الوُجُوهِ وَخَيْرُهُ            مَا أُوتِيَ القُوَّادُ وَالزُّعَمَاءُ
            فَإِذَا سَخَوْتَ بَلَغْتَ بِالجُودِ المَدَى            وَفَعَلْتَ مَا لاَ تَفْعَلُ الأَنْوَاءُ
            وَإِذَا عَفَوْتَ فَقَادِرًا وَمُقَدَّرًا                  لاَ يَسْتَهِينُ بِعَفْوِكَ الجُهَلاَءُ
            وَإِذَا رَحِمْتَ فَأَنْتَ أُمٌّ أَوْ أَبٌ                 هَذَانِ فِي الدُّنْيَا هُمَا الرُّحَمَاءُ
            وَإِذَا غَضِبْتَ فَإِنَّمَا هِيَ غَضْبَةٌ              فِي الحَقِّ لاَ ضِغْنٌ وَلاَ بَغْضَاءُ
            وَإِذَا رَضِيتَ فَذَاكَ فِي مَرْضَاتِهِ            وَرِضَا الكَثِيرِ تَحَلُّمٌ وَرِيَاءُ
            وَإِذَا خَطَبْتَ فَلِلمَنَابِرِ هِزَّةٌ                   تَعْرُو النَّدِيَّ، وَلِلقُلُوبِ بُكَاءُ
            وَإِذَا قَضَيْتَ فَلاَ ارْتِيَابَ كَأَنَّمَا              جَاءَ الخُصُومَ مِنَ السَّمَاءِ قَضَاءُ
            وَإِذَا بَنَيْتَ فَخَيْرُ زَوْجٍ عِشْرَةً               وَإِذَا ابْتَنَيْتَ فَدُونَكَ الآبَاء
            وَإِذَا صَحِبْتَ رَأَى الوَفَاءَ مُجَسَّمًا           فِي بُرْدِكَ الأَصْحَابُ وَالخُلَطَاءُ
            وَإِذَا أَخَذْتَ العَهْدَ أَوْ أَعْطَيْتَهُ                فَجَمِيعُ عَهْدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفَاءُ
             يَا أَيُّهَا الأُمِّيُّ حَسْبُكَ رُتْبَةً                  فِي العِلْمِ أَنْ دَانَتْ بِكَ العُلَمَاءُ
            الذِّكْرُ آيَةُ رَبِّكَ الكُبْرَى الَّتِي فِيهَا           لِبَاغِي المُعْجِزَاتِ غَنَاءُ

لقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صورةً حيةً لأخلاق وتعاليم الإسلام السامية، رأَى الناس فيه الإسلام رأْيَ العين، فهو أفضل معلم وأعظم قدوةً في تاريخ البشرية كلها، والذي أمرنا ربنا ـ سبحانه ـ بطاعته واتباعه والاقتداء به، قال الله تعالى: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }(الحشر من الآية:7)، وقال: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }(آل عمران:31)، وقال:{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا }(الأحزاب:21) ..

قَوْلُهُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} اهْدِنَا أَرْشِدْنَا وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ {الصِّرَاطَ} وَسِرَاطَ بِالسِّينِ رَوَاهُ أُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ: الصَّادُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو القرآن 5/أوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا “الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ” (1) . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ] (2) وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ. (1) أخرجه الطبري في التفسير: 1 / 171-172، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري. (3) ساقط من ب.